الشيخ محمد عبده

47

رسالة التوحيد

يبالي جوز شرع إطلاقها في جانب الله أم لم يجوز ، فيسمى الحكمة غاية وغرضا وعلة غائية ورعاية للمصلحة ، وليس من رأيه أن يجعل لقلمه عنانا يرده عن إطلاق اسم متى صح عنده معناه ، وقد يعبر بالواجب عليه بدل الواجب له غير مبال بما يوهمه اللفظ . ومنهم من يطلب علمها مع مراعاة أن ذلك دين يتعبد به واعتقاد بشؤون لإله عظيم ، يعبد بالتحميد والتعظيم ، ويجب الاحتياط في تنزيهه ولو بعفة اللسان عن النطق بما يوهم نقصا في جانبه ، فيتبرأ من تلك الألفاظ مفردها ومركبها ، فإن الوجوب عليه يوهم التكليف والإلزام ، وبعبارة أخرى يوهم القهر والتأثر بالأغيار ، ورعاية المصلحة توهم إعمال النظر وإجالة الفكر ، وهما من لوازم النقص في العلم ، والغاية والعلة الغائية والغرض توهم حركة في نفس الفاعل من قبل البدء في العمل إلى نهايته ، وفيها ما في سوابقها . ولكن الله أكبر ، هل يصح أن تكون سعة المجال ، أو التعفف في المقال ، سببا في التفرقة بين المؤمنين وتماريهم في الجدال ، حتى ينتهى بهم التفرق إلى ما صاروا إليه من سوء الحال ؟ أفعال العباد كما يشهد سليم العقل والحواس من نفسه أنه موجود ، ولا يحتاج في ذلك إلى دليل يهديه ولا معلم يرشده ، كذلك يشهد أنه مدرك لأعماله الاختيارية ، يزن نتائجها بعقله ويقدرها بإرادته ، ثم يصدرها بقدرة ما فيه - ويعد إنكار شيء من ذلك مساويا لإنكار وجوده في مجافاته لبداهة العقل . كما يشهد بذلك 66 في نفسه يشهده أيضا في بنى نوعه كافة متى كانوا مثله في سلامة العقل والحواس ، ومع ذلك فقد يريد إرضاء خليل فيغضبه ، وقد يطلب كسب رزق فيفوته ، وربما سعى إلى منجاة فسقط في مهلكة ، فيعود باللائمة على نفسه إن كان لم يحكم النظر في تقدير فعله ، ويتخذ من خيبته أول مرة مرشدا له في الأخرى . فيعاود العمل من طريق أقوم ، وبوسائل أحكم ، ويتقد غيظه على من حال بينه وبين ما يشتهى إن كان سبب الإخفاق في المسعى منازعة منافس له في مطلبه ، لوجدانه من نفسه أنه الفاعل في حرمانه . فينبرى